سبيل مستدام لإطعام الأعداد المتنامية في المعمورة

الأحد, يوليو ۳۰, ۲۰۱۷

في هذا العام يوافق الثاني من أغسطس/آب موعد "تجاوز استهلاك الإنسان لموارد الأرض" - ذلك المؤشر السنوي عن البصمة الإيكولوجية للبشرية. ففي هذا اليوم يكون العالم قد استخدم كمّاً من موارد الأرض يفوق ما تستطيع الأرض إنتاجه خلال العام بأكمله. إذ من المتوقع أن يصل استهلاك سكان الأرض إلى نسبة ۱۷۰ في المائة من الإنتاج الطبيعي للكوكب عام ۲۰۱۷.

ولعل هذا التاريخ المميز الذي لا يدعو إلى التفاؤل يأتي أسرع بكثير مما اعتقد منذ عام ۱۹۸۷ الذي أطلقت فيه الحسابات المتعلقة بهذا المنحى. بعبارة أخرى، يستهلك البشر اليوم كمّاً من الطاقة الحيوية أكبر وأسرع مما تستطيع الأرض تعويضه. فالعالم بات يبتلع المزيد من المياه والموارد، ليطرح بالمقابل المزيد من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، واضعاً البيئة عند مستوى متطرف.

فبينما تتسبب انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون المتواصلة في جعل التغير المناخي حقيقة واقعة، نرى أن ضعف الممارسات الزراعية تزيد من ملوحة التربة والمياه، فالاستخدام غير المستدام للمياه يؤدي إلى تفاقم حالة شحّ المياه. الأمر الذي أفضى إلى ارتفاع تواتر موجات الجفاف وازديادها حدة في كثير من المناطق التي كانت جافة وشحيحة المياه أصلاً، وأثر في الزراعة، حيث أسفر عن تدهور ما معدله ۲,۰۰۰ هكتار من الأراضي المروية في المناطق القاحلة وشبه القاحلة  بسبب الملح يومياً على امتداد ۷۵ بلداً، حيث باتت مشكلة شح المياه تتهدد القارات جمعاء.

وأضحت البشرية اليوم من خلال الاستغلال المفرط للموارد على طريق مستقبل بعيد عن الاستدامة وينذر بالخطر. إلا أنه تجنباً للسيناريو الأسوأ، يتعين على المجتمع الدولي اتخاذ الإجراءات اللازمة بشكل مباشر. ما دعا ۱۹۳ بلداً إلى تبني مجموعة من الأهداف، وغيرها من الإجراءات بتاريخ ۲۵ سبتمبر/أيلول ۲۰۱۵ ، وذلك لحماية الكوكب كجزء من برنامج عمل التنمية المستدامة الجديد. ولكل من هذه الأهداف، المعروفة باسم أهداف التنمية المستدامة، غاية معينة يجب تحقيقها حتى عام ۲۰۳۰. فأهداف التنمية المستدامة، التي دخلت حيز التنفيذ في يناير/كانون الثاني ۲۰۱٦ تطالب بنـُهُج جديدة ومتكاملة لمعالجة طيف واسع من المشكلات التي تظهر على المستوى العالمي، بما في ذلك انعدام الأمن الغذائي والمائي وكذلك التغير المناخي.

ومع استعداد العالم لتفاقم حالة احترار المناخ وندرة الموارد وارتفاع عدد السكان، نجد أن البحوث والابتكارات تشكل مفتاح المضي نحو غدٍ مستدام. إذ انبرى القطاعان العام والخاص لطرق باب البحوث والتنمية في كثير من البلدان. وبفضل تمويل من الحكومات والجهات المانحة خلال العقود المنصرمة، انخرط القطاع الدولي المعني بالبحوث والتنمية بشكل فاعل في معالجة العدد المتنامي من التحديات في شتى بقاع المعمورة، بما في ذلك التحديات المرتبطة بانعدام الأمن الغذائي وشحّ المياه. إلا أن التركيز انصب بشكل رئيس على المحاصيل والتقانات السائدة التي لم تعطِ ما يكفي من النتائج الفعالة والمستدامة. وهذا ينطبق على المناطق ذات المستوى الأدنى من الظروف البيئية المؤاتية. فاليوم يتواصل إخفاق محاصيل الحبوب الأساسية من قبيل القمح والأرز والشعير والذرة في تحمل المستوى المتزايد من الملوحة والافتقار إلى المياه في المناطق الهامشية، التي تعد موئلاً لنحو ۱.۷ مليار نسمة تبعاً للتقديرات.

ومع التوقعات بوصول عدد سكان الأرض إلى ۹.۷ مليار نسمة بحلول عام ۲۰۵۰، ترى منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة تبعاً لتقديراتها أن العالم سيكون بحاجة إلى كمية أكبر بنسبة ۷۰ في المائة من الأغذية. مع ذلك، يحذر العلماء بأن الزراعة الصناعية قد تصل إلى أقصى طاقة لها على صعيد إنتاج كم كاف من الأغذية. أضف إلى ذلك أن غلال المحاصيل الأساسية قد تشهد تراجعاً بنسبة ۲۵ في المائة وأكثر بحلول ۲۰۵۰ بفعل التغير المناخي وتدهور الأراضي وسط سيناريو بقاء الأمور على حالها.

ولعل ما ورد آنفاً يثير مخاوف خطيرة حيال قدرة الأساليب الزراعية والمحاصيل التقليدية على دعم أهداف الإنتاج العالمي من الأغذية، فالمناطق التي تعاني من شح المياه وتدهور الأراضي أصلاً قد يكون نصيبها هو الأكبر من النمو السكاني تبعاً للتنبؤات.

وعليه، ثمة حاجة ملحة إلى تحديد واختبار وإدخال حلول بديلة غير تقليدية لتحقيق استدامة الإنتاجية الزراعية وربما زيادتها في المناطق التي تخفق فيها النـُهج التقليدية السائدة أو تكون عديمة الجدوى الاقتصادية.

فثمة محاصيل غير تقليدية بديلة من قبيل الكينوا والدخن اللؤلؤي، وهي أكثر ملاءمة للمناطق المتأثرة بالملوحة والجفاف. ففي الأماكن التي تندر فيها المياه بشكل حاد، تشكل مياه الصرف الصحي المعالجة والمياه المالحة وحتى مياه البحر خيارات جيدة لري المحاصيل الزراعية ونباتات الزينة.

 

تعميم المحاصيل والتقانات البديلة غير التقليدية

منذ قرابة ما يزيد على عقدين من الزمن والمركز الدولي للزراعة الملحية (إكبا) - الذي يتخذ من دبي مقراً له – يحتل صدارة الأبحاث المتعلقة بالمحاصيل والتقانات البديلة غير التقليدية والتي تساعد على إنتاج كمية أكبر من الأغذية، فضلاً عن توفيرها للمزيد من الموارد وحمايتها للبيئة. ونجح المركز في التوصل إلى طيف واسع من الحلول المواكبة للحقائق المتغيرة في المناطق المختلفة واختبار تلك الحلول.

يأتي الكينوا بين المحاصيل التي وُضعت في دائرة الاهتمام. فمنذ عام ۲۰۰۷ يترأس إكبا برنامجاً عالمياً حول الكينوا لجعله محصول الاختيار في المناطق المتأثرة بالملوحة والجفاف وشح المياه، حيث لا يزال هذا البرنامج قائماً في كل من مصر والأردن وقيرغيزستان، وكذلك في المغرب وعُمان وطاجيكستان والإمارات العربية المتحدة، ناهيك عن أوزبكستان واليمن. واليوم لدى المركز أربع سلالات مختبرة جيدة الإنتاجية في ظل مستويات مرتفعة من الجفاف والملوحة. وقد أظهرت التجارب التي استمرت لعدة أعوام أن متوسط غلال سلالات إكبا من البذور يصل إلى ۵.٤۱ طناً في الهكتار ضمن ظروف رملية ومستويات مرتفعة من الملوحة والجاف في الإمارات العربية المتحدة. وفي آسيا الوسطى، وصل متوسط غلال السلالات المذكورة من البذور إلى ۵.۵۷ طناً في الهكتار.

أضف إلى ذلك أن المركز ينفذ برامج بحثية على ري المحاصيل الزراعية ونباتات الزينة باستخدام مياه الصرف الصحي المعالجة والمياه المالحة ومياه البحر. ففي الإمارات العربية المتحدة على سبيل المثال، يعمل الباحثون على تقييم محاسن استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة ومثالبه منذ عام ۲۰۱۳. إذ حملت هذه المبادرة تأثيرات جمة على مستوى إدارة المياه، فمياه الصرف الصحي المعالجة تشكل ۱۲ في المائة من إجمالي الامداد بالمياه في البلد، وتخضع لمعالجة على المستوى الثالث. وعملت التجارب طويلة الأجل على تحري التأثير الذي يخلفه استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة في ري الخضروات من قبيل الجزر والخس والباذنجان والطماطم وكذلك نباتات الزينة ونخيل التمر، حيث تشير النتائج إلى أن المياه العادمة المعالجة تشكل بديلاً جيداً عن المياه العذبة عندما يتعلق الأمر بالزراعة ونباتات الزينة في ظل الظروف القاحلة.

كما يعتبر إكبا المياه شديدة الملوحة المرتجعة ومياه البحر مصدرين بديلين للري. ونظراً لأن كمية تقدر بأكثر من ۸.۷ مليون متر مكعب في العالم من المياه المحلاة تستخدم للري، وأن كمية من المياه شديدة الملوحة المرتجعة تزيد عن ۳.۵ مليون متر مكعب تنتج يومياً، فإنه من الأهمية البالغة بمكان ضمان التخلص الآمن من المحلول الملحي الراجع واستخدام هذا المنتج الثانوي على نحوٍ مستدام. ويعمل المركز منذ سنوات عديدة على تشغيل مزارع داخلية وساحلية نموذجية مبتكرة لدراسة استخدام المياه شديدة الملوحة المرتجعة ومياه البحر في الزراعة. إذ تستخدم المزارع النموذجية في المناطق الداخلية المياه المحلاة لزراعة الخضروات، بينما يستخدم المياه شديدة الملوحة المرتجعة لتربية الأسماك، في حين تستخدم الفضلات السائلة الناتجة عن تربية الأحياء المائية لري نباتات ملحية.  أما مزارع المناطق الساحلية النموذجية فتستخدم مياه البحر لتربية الأسماك والأحياء المائية، أما الفضلات السائلة فتستخدم لري النباتات الملحية.

 

كما يعمل الباحثون منذ عام ۲۰۱۵ على تقنية متدنية التكلفة لصناعة الفحم الحيوي من المخلفات الخضراء. فالفحم الحيوي هو فحم يستخدم كمُحسن للتربة ويـُنتج من مادة نباتية يتم تخزينها في التربة كطريقة لإزالة غاز ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي. إذ يعتبر تحلل المادة النباتية مصدراً طبيعياً لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون. لذلك فإن تحويل المخلفات النباتية إلى فحم حيوي بدلاً من رميها في مدافن القمامة من شأنه أن يعود بالنفع على البيئة والزراعة.

ففي الإمارات العربية المتحدة على سبيل المثال، تتولد كمية ۰.٦ مليون طن من المخلفات الخضراء من حوالي ٤۰ مليون شجرة نخيل تمر كل عام. فإذا ما تركت للتحلل على سطح الأرض أو دفنت في مدافن القمامة، فإن هذه الكتلة الحيوية قادرة على إنتاج ۸۸۰ مليون طن من غاز ثاني أكسيد الكربون سنوياً.

وأقدم المركز على اختبار هذه التقانة ذات التكلفة المنخفضة في التجارب الحقلية لتحسين التربة وإنتاج المحاصيل، حيث أظهرت التجارب أن الفحم الحيوي يحسن بشكل ملحوظ من خصوبة التربة ويساعد على توفير ما بين ۳۰-۳۵ في المائة من المياه ومغذيات التربة، فضلاً عن أنه يخفف من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون.

 

نحو غدٍ مستدام

نظراً لأن التغير المناخي والاستثمار المفرط ينطوي على مخاطر متزايدة تحيط بالكوكب والبشرية، فإنه من الأهمية بمكان إعادة تقييم مدى كفاية النـُهج السائدة للتعامل مع الطلب المتنامي على الأغذية وغيرها من الموارد. فمالم تتحقق نقلة نوعية على مستوى التفكير، فلن تنجح الجهود الساعية إلى ضمان الأمن الغذائي والمائي، وتوفير الموارد الطبيعية للأجيال وغيرها. واليوم لا ينكر أحد أن البحوث والابتكارات تحمل مفتاح مستقبل أكثر استدامة. إلا أنه من الضرورة بمكان متابعة المسارات البديلة عندما لا تقدم الحكمة التقليدية سوى القليل من العون.

ولعل المضي قدماً يتطلب التفكير بخيارات حظيت باهتمام ضئيل أو غاب عنها تماماً، لاسيما في بقاع العالم التي تعاني من الافتقار إلى المياه وفقر التربة، فضلاً عن الجفاف. ففي المقام الأول، يجب وضع المحاصيل البديلة غير التقليدية في الطليعة في المناطق التي تخفق فيها المحاصيل الرئيسية أو يكون إنتاجها ضئيلاً. فهذه المحاصيل ستعزز الإنتاجية والدخل على حدّ سواء. ثانياً، ثمة حاجة للتفكير باستخدام مياه الصرف الصحي المعالجة والمياه شديدة الملوحة المرتجعة ومياه البحر في الزراعة ولأغراض أخرى في بلدان تندر فيها موارد المياه العذبة. الأمر الذي سيساعد على التخفيف من الضغط على هذه الموارد. ثالثاً، لا بد من الاستمرار في أعمال البحوث والتنمية من أجل تحديد واختبار المحاصيل والتقانات الأفضل ملاءمة لتلك البيئات.

على جميع ما ورد أنفاً أن يمثل جانباً من الجهود العالمية الرامية إلى إدارة الموارد الطبيعية على نحوٍ مستدام، وكذلك إلى تحقيق الأمن الغذائي الذي يعود بالنفع على الأجيال القادمة.