حاجة العالم العربي إلى المزيد من الباحثات الشابات لتحقيق الأمن الغذائي المسقبلي

الخميس, أغسطس ۳۱, ۲۰۱۷

يشكل الابتكار جوهر الوجود. ولعل هذه العبارة أفضل مايصف عصرنا الحالي حيث بات البحث الحثيث عن كل ماهو جديد في مجال العلوم والتقنيات يرسم معالم عالم اليوم. وعلى مر التاريخ، أثبت الابتكار أنه السلاح الفتاك لمواجهة التهديدات التي تكتنف البشرية وضمان دوام رفاهيتها. إن جيلنا يجني اليوم ثمار العديد من الاختراعات التي تحققت خلال القرن الماضي أو نحوه.

ومايميز وقتنا الحالي هو أن العديد من مشاكلنا الأكثر تعقيداً تنشىء عن الانجازات الماضية. إننا نعاني نوعاً جديداً من التحديات -البعض منها من صنعنا- والتي تهدد بزوال عقود من التقدم في مختلف مجالات الحياة. فمن التغير المناخي إلى النمو السكاني والقائمة تطول وتتشعب. كما أن العديد من هذه المشاكل مرتبط ببعضه البعض بطريقة أو بأخرى. فعلى سبيل المثال، يتوقع أن يؤثر التغير المناخي  تأثيراً سلبياً على الأمن الغذائي في أجزاء شتى حول العالم على مدى العقود المقبلة. وقد نجم عن تزايد موجات الجفاف الحادة والمتكررة أضراراً اجتماعية واقتصادية كبيرة في المناطق التي تعاني من ندرة المياه.   

وعلى ضوء التوقعات التي تفيد بوصول التعداد السكاني العالمي إلى ۹.۷ مليار نسمة بحلول العام ۲۰۵۰، يبدو احتمال النقص الحاد في الغذاء أمراً قائماً. فبحسب منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، يتعين ارتفاع الإنتاج الغذائي بنسبة تصل إلى ٦۰ في المائة لتلبية الطلب على الغذاء في المستقبل.  

ومن جهة أخرى، يحذر بعض الخبراء بأن الزراعة الصناعية قد تكون بلغت حدودها القصوى لإنتاج مايكفي من الغذاء. كما يتوقع أن تنخفض إنتاجية المحاصيل الأساسية بنسبة ۲۵ في المائة وأكثر مع حلول العام ۲۰۵۰.  

وقد ساعدت البحوث الزراعية والابتكار على زيادة الإنتاج الغذائي العالمي بنسبة وصلت إلى ۸۰ في المائة منذ منتصف السيتينات مع حدوث أكثر من نصف هذه الزيادة في البلدان النامية.

وفي مواجهة صعوبات هذا القرن، يحتاج النظام الغذائي العالمي إلى طيف جديد من البحوث والابتكار لتوفير الغذاء والتغذية السليمة بشكل مستدام لعدد أكبر من السكان بحلول العام ۲۰۵۰. كما يتعين على الحكومات انفاق المزيد بسخاء على استحداث طرق جديدة وبديلة للإنتاج الغذائي.

ومن المفارقات، أن البلدان النامية والتي تعد الاكثر عرضة لانعدام الأمن الغذائي ماتزال متأخرة كثيراً عن وكب البلدان المتقدمة من حيث الاستثمار في البحوث الزراعية والابتكار. ويظهر ذلك جلياً في مناطق مثل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حيث يشكل التغير المناخي والنمو السكاني مصدراً للقلق.

ولا تنحصر المشكلة في نقص التمويل فحسب، بل لا تزال العلوم الزراعية تعتبر حكراً على الرجال على نطاق واسع، في الوقت الذي يستلزم فيه القطاع الزراعي المزيد من البحوث والابتكار أكثر من أي وقت مضى. ويبين الواقع أن هناك عدداً منخفضاً وغير متكافئ من النساء العاملات اللاتي تتبوأن المناصب العلمية والإدارية العليا. ويبلغ متوسط نسبة النساء العاملات في جميع أنحاء المنطقة حوالي ۱۷٪، وهو أدنى مستوى في العالم.

تظهر هذه الفجوة بين الجنسين بشكل شديد الوضوح بنسبة التوظيف في منظمات البحوث والإرشاد الزراعي. وهو أمر مستهجن بالنظر إلى أن النساء تشكل أكثر من ٤۰٪ من القوى العاملة في القطاع الزراعي. ونتيجة لذلك، تظهر مخاوف فيما إذا كانت تدابير السياسة والاستثمار فعالة بالشكل اللازم لأنها لا تحقق التوازن المطلوب بين الجنسين.

أظهرت الدراسات في السنوات الأخيرة أن فرق العمل التي تحقق التوازن بين الجنسين تحقق الابتكار وتزيد الإنتاجية، كما أكدت أحدث الدراسات على أن دور المرأة هام في تعزيز الابتكار المنشود. كما أن تحقيق الإنجازات العلمية يرتبط أيضاً بتواجد عددا أكبر من الباحثات في فرق العمل مما يدعم الإبداع والتفكير الابتكاري.

ولا تتميز النساء بقدرتهن على الإبداع فقط بل يتميزن أيضاً بقدرتهن على القيادة، إذ تبين البحوث أن عدد النساء في الإدارة العليا يرتبط بأداء أفضل للمنظمات، وينطبق ذلك بصفة خاصة على المنظمات التي تركز على الابتكار.

إن إثراء مجال العلوم بالمزيد من الخبيرات كفيل بتعزيز الابتكار المنشود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وخارجها.

وحيث ماتزال هيمنة الرجال في فرص العمل جلية في المنطقة، يُحرم العديد من النساء من فرص العمل في ميدان العلوم. كما ان نقص التمويل لعمليات البحوث والتطوير يشير إلى قلة فرص العمل الجيدة. أضف إلى ذلك، قلة فرص التدريب والتطوير للنساء العاملات في مجال العلوم.   

ورداً على هذه المسألة، في العام ۲۰۱٦ قام المركز الدولي للزراعة الملحية (إكبا) -الذي يتخذ من دبي مقراً له وهو أحد الأعضاء المؤسسين في اتحاد المراكز الدولية للأبحاث والتنمية الزراعية- بتولي زمام المبادرة لتمكين جيل جديد من الخبيرات العربيات الشابات في المنطقة. ودخل إكبا في شراكة مع مؤسسة بيل وميليندا غيتس والبنك الإسلامي للتنمية لإطلاق برنامج للزمالة يدعى (تمكين) يهدف إلى تعزيز التميز والقيادة في مجال البحوث الزراعية والتنمية لدى الخبيرات العربيات الشابات.  

وفي العام ۲۰۱۷، انضم إكبا إلى برنامج النساء الأفريقيات العاملات في مجال البحوث والتنمية الزراعية لتجريب برنامج تدريبي في إطار برنامج تمكين يستهدف مجموعة من الباحثات من الجزائر ومصر والأردن ولبنان والمغرب وعمان وفلسطين.

وبالنتيجة، حظيت رسالة البرنامج باهتمام متزايد من القطاعين الحكومي والخاص في بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وإلى جانب ذلك، يعمل إكبا على تعبئة الدعم من منظمات أخرى لضمان نشرالبرنامج وإحداث تأثيره المنشود. وبمجرد تشغيله بالكامل، سيقدم تمكين برامج تدريبية للخبيرات العربيات الشابات والمساعدة على تحسين قدراتهم البحثية والقيادية. إن استهداف برنامج تمكين بشكل أولي للباحثات في الجزائر ومصر والأردن ولبنان والمغرب وعمان وفلسطين وتونس والإمارات العربية المتحدة سيسهل تبادل المعرفة والتواصل بين الباحثات العربيات في جميع أنحاء المنطقة من خلال تمكين مجموعات من النساء الرائدات القادرات على استكشاف المستقبل وتحقيق التغيير.

فمن خلال التدريب والتطوير، سيسهم البرنامج في إيجاد حلول أفضل وأكثر تركيزاً على المرأة لتحسين الأمن الغذائي والتغذية في المنطقة.

إن الاسهامات التي تقودها المرأة في المجال الزراعي سواء على صعيد المزرعة أوالمختبر تشكل حجر الأساس لتحقيق الأمن الغذائي العالمي. وإن برامج مثل تمكين بالغة الأهمية للتخفيف من الأسباب الهيكلية لعدم المساواة بين الجنسين كما يشجع النساء على تفعيل دورهن في التطورات العلمية المستقبلية.

ومن شأن الاستفادة من معارف المرأة وامكاناتها اليوم أن يضع العالم في طريقه إلى مستقبل أكثر استدامة وأمناً على صعيد التغذية.

وكما أشارت السيدة ميشيل باشيليت، المديرة التنفيذية السابقة للأمم المتحدة للمرأة في إحدى المناسبات قائلة: "عندما يتم تمكين دور المرأة وتتمكن من المطالبة بحقوقها والحصول على الأرض والقيادة والفرص والخيارات، تنموالاقتصادات ويتعزز الأمن الغذائي وتتحسن آفاق المستقبل للأجيال الحالية والقادمة."